ابو القاسم عبد الكريم القشيري

194

لطائف الإشارات

فلمّا باعهم وجمع لهم الكيل ما أخذ منهم ثمنا ، والإشارة من هذا إلى قوله تعالى : « إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ » . وكلّ منّ خطا للدّين خطوة كافأه اللّه تعالى وجازاه ، فجمع له بين روح الطاعة ولذّة العيش من حيث الخدمة . قوله جلّ ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 66 ] قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 66 ) إنّ الحذر لا يغنى من القدر . وقد عمل يعقوب - عليه السلام - معهم في باب بنيامين ما أمكنه من الاحتياط ، وأخذ الميثاق ولكن لم يغن عنه اجتهاده ، وحصل ما حكم به اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 67 ] وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) يحتمل أن يكون أراد تفريقهم في الدخول لعلّ واحدا منهم يقع بصره على يوسف ، فإن . لم يره أحدهم قد يراه الآخر « 1 » . ويقال ظنّ يعقوب أنهم في أمر يوسف كانوا في شدة العناية بشأنه ، ولم يعلم أنهم كارهون لمكانه . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 68 ] وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 68 )

--> ( 1 ) نحسب أنه ربما كان الأمر بتفريقهم مرده إلى أنه في الجماعة تختفى المسؤولية الفردية إذ تذوب في الكيان الجماعي ، بينما يكبر الشعور بالمسئولية إذا كانوا آحادا ، وقد قالوا ليعقوب من قبل ( لئن أكله الذئب ونحن عصبة . ) .